هل تعمل المؤسسات الكبيرة على إبطاء التغيير الذي تدّعي قيادته؟
العائق الأكبر أمام الأثر الحقيقي في مجتمعاتنا اليوم ليس نقص التمويل، بل أن معظمه يذهب إلى المؤسسة الخطأ.
أنا ماهر قدورة، وهذا أول مقال في سلسلة أؤمن بها منذ سنوات: الفكر الإداري الذي قاد أنجح الشركات في العالم يمكن أن يُعيد تشكيل قطاعنا بأكمله، إذا استعرنا منه الأسئلة الصحيحة بدل الأدوات الجاهزة.
في عام 2005، نشر الكاتب الأمريكي بو بيرلينغهام كتابه "العمالقة الصغار"، ووثّق فيه قصص شركات رفضت سباق النمو المستمر، واختارت أن تبقى صغيرة عن قصد، لأنها أدركت أن العظمة الحقيقية لا تُقاس بالحجم، بل بعمق الأثر الذي تتركه فيمن تتعامل معهم. هذه الفكرة التي بدت خارجة عن المألوف في عالم الأعمال، هي بالضبط ما يحتاج قطاع العمل الاجتماعي أن يستعيره اليوم.
فلننظر إلى الدليل. في عام 2016، وقّع أكبر المانحين في العالم اتفاقاً يُعرف باسم "الصفقة الكبرى"، أقرّوا فيه صراحة أن المؤسسات المحلية الصغيرة تصل إلى أماكن لا تصل إليها المؤسسات الدولية الكبيرة، والتزموا بأن يذهب خمسة وعشرون في المئة من التمويل الإنساني مباشرة إليها. أما النتيجة الفعلية في عام 2023، فكانت أقل من واحد في المئة، بعد سبع سنوات كاملة من هذا الوعد. لم يتراجع الاعتراف بقيمة المؤسسات الصغيرة، لكن النظام الذي يُموّل القطاع لا يزال يكافئ الحجم لا الأثر، ويتعامل مع المؤسسات المحلية بوصفها جهة منفّذة من الباطن، لا شريكاً حقيقياً في القرار.
هنا يكمن جوهر وهم الحجم الكبير: أن يصبح الاسم الكبير مقياساً للثقة، بينما يظل الأثر الحقيقي معياراً ثانوياً. غير أن التاريخ يقول عكس ذلك تماماً. لم تبدأ مؤسسة أطباء بلا حدود بخطة نمو مؤسسية، بل بثلاثة عشر طبيباً رفضوا الصمت أمام مجاعة بيافرا، وهي اليوم تعمل في أكثر من سبعين دولة. ولم يبدأ بنك جرامين بخطة توسّع، بل بسبعة وعشرين دولاراً دفعها أستاذ جامعي من جيبه الخاص لاثنتين وأربعين امرأة في قرية واحدة، وهو اليوم يخدم أكثر من عشرة ملايين إنسان. كلتا المؤسستين كانتا "عملاقاً صغيراً" قبل أن تصبحا عملاقتين، وسرّ قوتهما كان في قربهما من الناس، لا في بعدهما عنهم.
السؤال الأهم، إذن، ليس "متى ستكبر مؤسستك؟"، بل لماذا يكافئ هذا القطاع الحجم بدلًا من مكافأة الأثر.
السؤال
وبصفتك مانحاً أو صانع قرار، إذا خُيّرت اليوم بين اسم دولي كبير ومؤسسة محلية تعرف كل مستفيد باسمه، فأيّهما تختار، ولماذا؟